الأحد، 22 يوليو 2012

فن بناء الجسور- سلسلة حرب اللاعنف

 اليوم من سلسلة حرب اللاعنف من موقع اكاديمية التغيير ..احببت ان تشاركوني قراءة هذا المقال

لو أن مجموعة من الناس يقفون على ضفة نهر، ويريدون الانتقال إلى الضفة الأخرى، لكنهم لا يجدون وسيلة تنقلهم، ولا يستطيعون العبور سباحة حيث أن النهر اشتهر بأساطيره المميتة. ووقف الجميع أمام النهر لا يدرون ماذا يفعلون. قام أحدهم وقفز في النهر... ظن المشاهدون أنه سيقع فريسة للموت، لكنه استمر في السباحة، حتى وصل إلى الضفة الأخرى سالماً، فتشجع الناس من بعده على نفس الفعل، وبذلك بنى جسراً من العزيمة وكسر الخوف، وتمكن الآخرون من بعده من إنهاء هذه المرحلة ليبدأوا المرحلة التالية بعد عبور النهر.
وتقوم مجموعات العمل ببناء الجسور التي تقوي شوكة حركات التغيير وتضعف من قوة النظام، وتقوم بكسر المزيد من الخطوط الحمراء لتتقدم قوى التغيير من خلفها. فعلى سبيل المثال حينما يحظر نظام ما والاحتجاج على ممارساته، فإن تحرك مجموعة عمل نحو الشارع ولو بأعداد رمزية يوحي للجمهور العريض بإمكانية الفعل، وتشكل هذه التحركات جسراً جديداً يُبنى، ويقتنع الجمهور والقوى التغييرية المترددة والمحجمة أن النزول إلى الشارع أمر ممكن. كذلك بعض المواقع على الإنترنت التي تبدأ منفردة لتصنع جسراً لاستخدام الإنترنت في مواجهة النظام ودعم الحركات التغييرية، هذا الجسر يشجع الكثيرين بعد ذلك على استخدام الإنترنت كساحة من ساحات المواجهة. وهكذا يمكن بناء جسر تلو جسر  لتعبيد الطريق أمام القوى المقاومة لتفقد النظم الديكتاتورية خطاً أحمر آخر يتم تدميره.


يتضح من (شكل (1)) كيف أنه توجد خطوط حمراء تحول بين حركات التحول ومجموعات العمل (ج1، ج2، ج3،...)وبين أن تصل إلى أهدافها، هذه الخطوط الحمراء قد تكون مصادر القوة للنظام مثل الشرعية والمال والقمع ...الخ، وهي بالأساس تشكل حاجزاً نفسياً يمنع المجتمعات عن التفكير في المقاومة، كما أنها تحدد سقف مطالب الحركات.


نلاحظ في شكل (2) أن المجموعة (1) قررت أن تجرب اختراق أحد الخطوط الحمراء،  واضعة في اعتبارها إما النجاح أو الفشل،  ويظهر من شكل (3) كيف أنها عندما نجحت في كسر أحد الخطوط الحمراء تقدمت في المساحة التي اكتسبتها بإقدامها بقية المجموعات والحركات.
وقد تتمكن نفس المجموعة (1) من كسر خط جديد، أو قد لا تتمكن، فقط جرأت المجموعات الأخرى على كسر الخطوط الحمراء مؤكدة لهم إمكانية الفعل.


لم تتقدم نفس المجموعة (1) وإنما بنت جسراً عبرت عليه مجموعات أخرى، وهنا فكرت المجموعة (2) أن تقوم بالمبادرة لكسر خط جديد كما في شكل (4)، وبالفعل كسرت خطاً جديداً تقدمت على إثره بقية المجموعات كما في شكل (5)، ويلاحظ في الشكل أنه كلما كسرت خطوط حمراء، كلما تشجع الناس لتكوين مجموعات جديدة نوعية، فهنا تظهر مجموعتين جديدتين (5) و(6) استحثهما فعل السابقين.
وهكذا يتقدم مشروع التغيير بفعل المجموعات التي تبني قدرة المجتمع على الفعل، وتستحثه للتجربة، وتخفف العبء فلا تتحمله حركة أو مجموعة بمفردها، وتستمر عملية بناء الجسور حتى كسر آخر خط أحمر. ليصل المجتمع بقواه المختلفة إلى هدفه، وهو التحرر من الاستبداد.

 رفع سقف التحدي السياسي
وعادة ما تكون التحديات سبباً قوياً للتطور، ولأسلوب مجموعات العمل دور كبير في تطوير أداء المجتمع، والارتفاع به إلى الأداء النوعي، فظهور أي مجموعة جديدة تقوم بعمل نوعي يخلق تحدياً خارجياً للمجموعات الأخرى، ويدفعها هذا التحدي إلى التطوير والحرص على التميز.
ففكرة مجموعات العمل لها دور كبير في تحريك الحركات والأحزاب التي تخفض سقف حركتها ومطالبها، أو تمارس أداءً سياسياً ضعيفاً، وظهور مجموعة عمل جديدة بمبادرة جديدة جريئة ونوعية يمثل تحدياً خارجياً للحركة أو الحزب، ويمثل عامل ضغط داخلي، فيضغط أفراد الحركة أو الحزب على قياداتهم، ويطالبون بالقيام بأعمال شبيهة، وبأنهم الأحق بالقيام بهذا الدور.
إن هذا التفاعل الذي يتولد بفعل مجموعة عمل لا يقوم فقط بتحريك شرائح المجتمع الخاملة، بل يؤثر كذلك في الحركات التي تخشى من تفلت أفرادها منها، لذلك تبادر بفعل يليق بمكانتها في عيون أفرادها، وفي عيون المراقبين. لذلك يرفع أسلوب مجموعات العمل من سقف المطالب، ويقوي حدة التحدي السياسي.
وتقتضي طبيعة الصراع مع النظام الدكتاتوري أن يتدرب الشعب على أسلوب فرق العمل لبناء الجسور التغييرية. التي تشجع الآخرين على القيام بدورهم ببناء جسر جديد. وبذلك تمضي مسيرة التغيير عبر جسور المجموعات المتنوعة. وتكون الروح السائدة بين المجموعات هي روح الشراكة الاستراتيجية، وليست التبعية. فالكل شريك في صناعة التغيير.

 ملاحظات مهمة:
·  مجموعات العمل التي تأخذ على عاتقها كسر الخطوط الحمراء قد تتحطم هي على متاريس إحدى هذه الخطوط.
·  قد تنجح مجموعة في كسر خط من الخطوط الحمراء، وينتهي دورها التاريخي بذلك. ولا تسعى لكسر بقية الخطوط، بل قد تقوم بتفكيك نفسها بعد ذلك. ويدخل أفرادها في مجموعات جديدة لعمل جديد، مدركين أنهم كمجموعة مترابطة لن يؤدوا أكثر مما فعلوه، لكنهم قد يجيدون بأشكال أخرى.
·  تعجز أي مجموعة عادة عن احتكار كسر الخطوط، فقد تنجح مجموعة في كسر خط، لكنها لا تنجح في كسر الخط الذي يليه، بينما تنجح أخرى في ذلك. ولذلك قدرة مجموعة ما على كسر أحد الخوط الحمراء لا يعني قدرتها على كسر كل الخطوط.
·   يتخوف البعض من أن أسلوب فرق العمل يؤدي إلى فوضى.. وهذا التخوف وإن كان صحيحاً في حالة "الكفاح العنيف"...غير أنه ليس كذلك في حالة "اللاعنف". فهي تحتاج إلى مساحة كبيرة من التدريب على الحرية، ومجموعات العمل صمام أمان حتى يجد الناس متنفساً لتحقيق ما يريدون بشكل غير عنيف وبمساحة واسعة من الحرية تطلق الإبداعات، وهو تدريب لبناء مستقبل مجتمع حر، يُحترم فيه عقل كل عامل، وتنتعش معه فاعلية الحراك السياسي. وتنضج قيادات جديدة تمارس عملاً سياسياً يقبل بالتعددية.
كما أن هذا الأسلوب وليد استراتيجية "التبعثر الفعال والتجمع السليم". والذي استلزمته طبيعة الصراع مع النظام الدكتاتوري، فهذا التبعثر الملتزم بسياسات حركة اللاعنف مناسب لهذه المرحلة التي يطلب فيها تحريك الجماهير ونقلهم من مقعد المتفرج إلى الفاعل، وبعد فترة من الحراك الذي يخرج من "مصادر متعددة مع وحدة الهدف"، فإن تجميعه يحدث بشكل تلقائي عندما تجتمع المعارضة على أجندة محددة في لحظة فاصلة تستدعي تكوين جبهة قوية، وهو الأمر الذي لا ينبغي استعجاله قبل أن يصل الحراك الشعبي إلى النقطة الحرجة، التي يرجى بعدها إعادة ترتيب الأوراق، وتجمع هذه المجموعات "المبعثرة" في عمل حاسم ونهائي "مدروس"، وليس عملاً مناوراً.  
إن لمجموعات العمل المتناثرة (التبعثر الفعال) دوراً فعالاً في مرحلة من مراحل الصراع، وهي أداة من أدوات الصراع. وتكوين الجبهات (التجمع السليم) كذلك أداة من أدوات الصراع، وكل أداة منهما تخدم مرحلة معينة، وإن لم تستخدم كلتاهما في الوقت المناسب وبفاعلية؛ تخسر قوى التغيير أداة قوية من أدواتها. 

ولا شك أن قوى التغيير المتصدية لهذه الرسالة العظيمة، بحاجة إلى التدريب على مثل هذا النوع من العمل، وأن تخوض تجارب تدريبية صغيرة قبل أن تصل إلى اللحظة الحاسمة النهائية في حرب اللاعنف، ويجب أن تثق في الشعب وأنه يستطيع أن يشارك بشكل متحضر في الحراك التغييري، وأن هناك الكثير من العقول الرائدة القادرة على الفعل والمساهمة في إحداث التغيير. وأن الناشطين الأحرار يتسمون بالتصرفات الواعية ويدركون ماذا يفعلون، وتحركهم في الساحة سيكون دافعاً لعجلة التغيير.
وسواء قررالغيورون أن يدعموا حركات التغيير بشكل مباشر (الانضمام)، أو أن ينشئوا فرق عمل داعمة فإن روح العمل في فريق تضمن قوة النشاط المطلوب لإسقاط النظم الديكتاتورية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق