الأحد، 4 سبتمبر 2016

حوار مع عمرو صالح ياسين مؤلف كتاب التفكير النقدي

حوار: عدنان عوض - نشر علي مجلة جيل جديد الثقافية الرقمية

التعريف بالكتاب :

كتاب التفكير النقدي : مدخل في طبيعة المحاجة وأنواعها، يعتبر مدخلا لفرع من المنطق حديث النشأة يسمى المنطق اللا صوري. حيث نشأ هذا الفرع من المنطق في السبعينات من القرن الماضي برعاية من جامعة ويندسور الكندية كاستجابة لتحدي ضرورة إنتاج أدوات معرفية تُمكِّن الإنسان من نقد المواقف المختلفة في الحوارات العامة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة والإدارة وغيرها من الإنسانيات، وذلك خلافا لـ المنطق الصوري الذي كان ولا يزال ذا طابعا حسابيا صارما وشديد الارتباط بالرياضيات. فالكتاب بوصفه مدخلا للمنطق اللا صوري، يُقدِّم أدوات متنوعة في تحليل وتقييم وتركيب المحاجة باعتبارها البنية اللغوية الفاعلة في التفاعل مع المعلومات وتكوين القناعات وصناعة الأهداف واتخاذ القرارات ومحاولات الإقناع، مما يساعد الإنسان على التفكير نقديا في مواقف الآخرين الفكرية ومواقفه الخاصة


والكتاب الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر بتاريخ سبتمبر 2015 بعدد 335 صفحة، يمثل فصلين فقط من جملة عشرة فصول، ستصدر تباعا خلال الفترة القادمة. وهو مكتوب بطريقة حوارية سلِسة بين متخصص في المجال وتلميذ له، كما أنه مصحوب بمجموعة من الرسومات التوضيحية والملخصات علي الهوامش الجانبية. هذا بالإضافة إلى أن هذا الكتاب صادر باعتباره الكتاب الثاني عشر ضمن سلسلة أدوات قادة النهضة للدكتور جاسم سلطان. وهي سلسلة تهدُف لتزويد الشباب الناطق باللغة العربية بمجموعة من الأدوات الاجتماعية والإنسانية في شكل مداخل لأهم هذه المجالات كالتاريخ والسياسة والاقتصاد والجغرافية السياسية والتفكير الاستراتيجي وغيرها بهدف التحسين من قدرتهم على اتخاذ القرارات المتعلقة بتفاعلهم مع الواقع


التعريف بالكاتب :
هو عمرو صالح يس من مواليد الخرطوم 1986 تخرج في كلية الطب جامعة الخرطوم في العام  2009، ثم غيّر مجال بحثه واهتمامه للعلوم الإنسانية. شرع المؤلف في كتابة مؤلَّفِه منذ شهر يونيو من العام 2011، ومنذ ذلك الحين نشِط في تدريب العديد من الشباب السوداني في مجال التفكير النقدي، بالإضافة إلى مواد تدريبية أخرى من مواد مشروع النهضة للدكتور جاسم سلطان. في العام 2015 قُبِل المؤلّف لإكمال الدراسات العليا في الفلسفة في جامعة ويندسور الكندية المؤسِّسَة للمنطق اللا صوري، اعتمادا على جزء مترجم من كتابه، كما أنه قُبل حديثا في شهر مايو من العام 2016 ، اعتمادا على ذات الجزء، لإكمال الدراسات العليا في الفلسفة في جامعة سينت آندروز البريطانية والتي يُعتبر قسم الفلسفة فيها الثالث على مستوى بريطانيا بعد كل من جامعتي أكسفورد وكامبردج وواحد من أبرز الأقسام على مستوى العالم.

س : عندما نسمع أو نقرأ كلمة (المنطق) يتبادر للذهن العديد من المعاني، فقد يتبادر لنا أنه الكلام الذي يقبله العقل، ونصفه بأنه مقبول أو معقول أو منطقي، وقد يتبادر لنا أنه ما يشير إلى ما سوى المغالطات المنطقية، وهي العادات الخاطئة التي نمارسها في النقاش. فمثلاً : إذا أبديت رأيك في موضوع ما، ثم رددت عليك باتهام في شخصك فهنا أكون قد ارتكبت مغالطة (الشخصنة)، وقد يتبادر لنا أيضا أنه المادة التي تدرس في الجامعات، المعقدة بطبيعتها والتي بمعرفتها نستطيع التفكير بصورة صحيحة ونتجنب الوقوع في الخطأ. فهل هذه المعاني صحيحة في تحديدها لمعنى المنطق؟

ج : بالنسبة للتصور الأول الذي قلت به، وهو ما يتبادر لنا من أن (المنطق) هو الكلام الذي يقبله العقل ونصفه بأنه مقبول أو معقول أو منطقي، فإن هذا التصور لكلمة (المنطق) يقودنا ببساطة لأحد أهم الأسئلة التي ميزت التقسيم الحديث للمنطق باعتباره منطقاً صورياً ومنطقاً لا صورياً.  لأن المدرسة القديمة- الصورية-، والتي تمتد من زمن أرسطو، تتحدث عن المنطق باعتباره مبحث غاية في الموضوعية، حيث يعد كل من المنطق الصوري القديم والمنطق الرياضي الحديث والرياضيات مباحث تمثل النموذج الأعلى للمعقولية وأقصى درجة من درجات الموضوعية . لكن، وفي الحقيقة، نحن نلحظ أن كلمات (مقبول) و(معقول) و(منطقي) كلمات خلافية جداً وبالذات عندما نتناولها في تقييم المواقف التي تطرأ في الحوارات العامة كالحوارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية التي تجري في الفضاءات المختلفة في مجتمعاتنا. فهنا، بينما نتفق مثلاً وبطريقة غاية في الموضوعية على أنه إذا كانت 2س  4 =  فإن س=  2، وقد نصف هذا الخبر بأنه منطقي ومقبول، نحن بالمقابل نختلف بدرجة كبيرة في تقييم الفتاوى الدينية والآراء السياسية والسياسات الاقتصادية والعادات الاجتماعية المختلفة. فما قد يراه البعض مقبول ومعقول ومنطقي في هذه المجالات قد لا يراه آخرون  كذلك، وذلك عكس البراهين الرياضية التي يبدو أننا لا نختلف كثيرا تقييمها.

فإذا لم نُخِل بالقول يمكن أن نقول أن المنطق الصوريFormal Logic  يهتم ببيان (المقبول) و(المعقول) و(المنطقي) من الاستدلالات في مجالات محددة ذات طابع موضوعي، بينما يبحث المنطق اللا صوري Informal Logic  في دراسة (المقبول) و(المعقول) و(المنطقي) من الاستدلالات في الحوارات العامة ذات الطابع الخلافي أو الجدلي.
فالمنطق نشأ صورياً وهو يهتم أو يتعامل بشكل رئيسي مع اللغة الخبرية التي تصف العالم، ويدرس مدى صدقية أخبارها بناء على صحة استدلالها. فمثلا، لو أُخبرت أنه: إذا كان (عدنان في أمدرمان) فإن (عدنان في السودان)، ثم أخبرت أن: (عدنان في أمدرمان)، فهنا سيكون غاية المنطقية والموضوعية أن استنتج أنه: إذاً، (عدنان في السودان). وهنا يأتي سؤال المنطق الصوري وهو: لماذا لو صحّ الخبر الأول  المقدمة الأولى  والقائل إن: إذا كان (عدنان في أمدرمان) فـإن (عدنان في السودان)؛ وصح الخبر الثاني  المقدمة الثانية  القائل إن: (عدنان في أمدرمان)؛ توجد حتمية في غاية الموضوعية أن نستنتج الخبر الثالث أو النتيجة القائلة إن (عدنان في السودان)؟
فالمنطق الصوري يبدأ في محاولة استكشاف هذه الحتمية الضرورية والموضوعية ودراسة الاستدلالات الاستنتاجية التي لها هذا الشكل. وفكرة الصورية في هذا المنطق  والتي جاء منها اسم المنطق الصوري  جاءت من أن هذا المنطق في الحقيقية يدرس أشكال هذه الاستدلالات الاستنتاجية وليس محتواها. فلو رجعنا للمثال السابق:
إذا كان (عدنان في أمدرمان) فإن (عدنان في السودان)
(عدنان في أمدرمان)
إذاً،
(عدنان في السودان)؛
ورمزنا للخبر القائل إن: (عدنان في أمدرمان) بــالحرف (أ)، ورمزنا للخبر القائل إن: (عدنان في السودان) بــالحرف (ب)؛ فسنجد أن هذا الاستدلال في هذا الاستنتاج أخذ (الصورة) العامة التالية:
إذا (أ) فإن (ب)
(أ)
إذاً،
(ب)
هذه الصورة يقال أنها هي ما يصنع الضرورية في هذا الاستنتاج وليس محتوى الأخبار المستنتجة أو المستنتج منها. وحتى نتبين ذلك دعنا نأخذ مثال آخر. وهو:
إذا كان (عدنان في بيروت) فإن (عدنان في السودان)
(عدنان في بيروت)
إذاً،
(عدنان في السودان)
هنا سنلحظ أن صورة الاستنتاج في المثال الأول هي نفس صورة الاستنتاج في المثال الثاني. هذه الصورة تستطيع أن تنتج نتائجها بصرامة موضوعية، وذلك بغض النظر عن محتوى أخبارها من حيث الصدق والكذب. بمعنى، إذا كانت مقدمات الاستنتاج في هذه الصورة صادقة فإن العقل يحيل أن تكون نتيجة الاستنتاج الذي يأخذ هذه الصورة كاذبة. فالمنطق الصوري سمي “الصوري” لأنه يهتم أساساً بدراسة هذه الصور الاستنتاجية الضرورية والتي تستطيع أن تنتج نتائجها بموضوعية يتفق عليها كل البشر إلا من رحم. فموضوعية المنطق الصوري جاءت من  أنه يسعى لدراسة هذا اللزوم الضروري الآتي من صورة الاستنتاج وليس محتواه، وهو يدرس هذه الصور في هيئة الرمزية (أي يشير إلى الأخبار في شكل حروف: كـ أ، ب، وغيرها). وهكذا يصبح المنطق مبحث وثيق الصلة بالرياضيات فهو يشبه لحد كبير الجبر وحساب المثلثات.

وعليه، نشأ هذا المنطق منذ ولادته على يد أرسطو مهتماً بدراسة هذه الصورة المجردة للاستنتاج -ونحن ذكرنا في أمثلتنا أبسط صورها فهي قد تتكون من استنتاجات تتكون من عدد كبير جداً جداً من الأخبار والعمليات الرمزية-، لكن مع بداية القرن العشرين حدثت فيه طفرة كبيرة جداً عندما ولِّدت نظريات جديدة جراء أبحاث مناطقة وفلاسفة كـ  قوتلوب فريجه Gottlob Frege  وبرتراند راسل  Bertrand Russel وأبحاث ما يعرف بفلاسفة دائرة فيينا. فلأسباب فلسفية بحتة متعلقة بطبيعة الرياضيات، بدأ يحدث تطور هائل في المنطق الصوري، كانت من أحد أهم نتائجه الطفرة التكنولوجية والرقمية الحديثة. حيث أن الأجهزة التقنية الحديثة مزودة باستدلالات استنتاجية لها صرامة رياضية فائقة يبرمجها فيها المبرمجون. فالمنطق الرياضي الذي استفادت منه هذه التكنولوجيا الرقمية هو نسخة معدلة ومطورة من المنطق الذي بدأه أرسطو لكنها تتبع لفكرة أن هناك أنماط استنتاج ضرورية تكتسب صرامتها المنطقية من صورها دون محتواها.

والآن، عودا على بدء، وهو ما تحدثت عنه من  التصور الأول الذي قلت به للمنطق والذي يرى أنه هو الكلام الذي يقبله العقل، ونصفه بأنه (مقبول) أو (معقول) أو (منطقي)؛ السؤال لك وللقارئ: عندما تعيش حالة حجاج خلاف أو جدل مع الآخرين في مواضيع ساخنة كالثورات العربية وتقييمها من حيث الفشل والنجاح، عن الإسلام السياسي ماله وما عليه، عن منشأ داعش وهل هي صنيعة أمريكية أم وليدة التصورات الموجودة في المنطقة، عن أنظمة الحكم العربية، عن النهضة والتنمية في مجتمعاتنا وغيرها من الموضوعات خلافية، هل عند النقاش في هكذا موضوعات نحن نتبع نفس الصرامة الرياضية التي يهتم بدراستها المنطق الصوري؟ هل هناك أي معايير موضوعية صارمة حتمية وضرورية تبين لنا الكلام المنطقي من غير المنطقي في هذه الموضوعات كما هو الحال في الرياضيات؟ لماذا يا ترى لا يتفق أطراف الحجاج في هذه الحالة على موقف بعينه باعتباره ذو مقبولية موضوعية تماماً كما هو الحال في المثال الذي تناولناه وكما هو الحال في البراهين الرياضية؟ 
وهنا يظهر قصور المنطق الصوري في أنه يعجز إلى حد كبير في التعامل مع هذه الحالات من الاستدلالات الحجاجية ذات الطابع الخلافي. وذلك  أولا، لأننا عندما نختلف في هكذا موضوعات لا نستخدم ذات الطرق الاستدلالية التي نستخدمها في الرياضيات عند حل مسألة رياضية. فالمنطق الصوري يبدأ في التعامل مع الاستدلالات بترميزها حيث يرمز للأخبار في شكل حروف (أ،ب) ويدرسها على هذا الأساس، وعند هذه اللحظة يكون قد انفصل عن حياتنا العامة بشكل من الأشكال لأننا لا نتعاطى الحجاج بهذه الطريقة الرمزية. وثانيا، لأن الاستدلالات الحجاجية التي نتبادلها عند الحديث في هذه الموضوعات الخلافية، ورغم أنها تأخذ نفس بنية الاستدلالات الاستنتاجية من حيث أنها تتكون من مقدمات ونتائج، إلا أنه من الواضح أن الاستدلالات الحجاجية ذات طابع أقل من حيث الصرامة الاستدلالية وأدنى من حيث الموضوعية والقابلية للاتفاق.

وعليه، يمكن أن نقول أنه إذا تناولنا تصور المنطق بأنه يعبر عن الاستدلالات المقبولة أو المعقولة أو المنطقية، فيمكن أن نقول أن المنطق الصوري والذي نشأ مع أرسطو وتطور بدرجة كبيرة  في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لا يستطيع أن يخدم هذا التصور إذا ما وضعنا في الاعتبار الاستدلالات الحجاجية التي نتناولها في إسناد مواقفنا وآراءنا التي نتقدم بها في الحوارات العامة والعلوم الاجتماعية، وإن كان يجيب عنه بامتياز إذا ما وضعنا في الاعتبار الاستدلالات الاستنتاجية كالبراهين الرياضية في كافة فروع الرياضيات والبرمجيات الرقمية المتعلقة بعلوم الحاسوب وتقنية المعلومات. هذا القصور البادي في المنطق الصوري في قدرته على تمليكنا أدوات منهجية لتحليل وتقييم الاستدلالات الحجاجية هو العامل الذي أسس بشكل رئيس للمنطق اللاصوري Informal Logic كفرع حديث من المنطق يريد أن يجيب على سؤال ما هو مقبول ومعقول ومنقول في الاستدلالات الحجاجية التي نتبادلها في حياتنا اليومية وذلك دون ردها لأشكالها الصورية وتحويل أخبارها إلى رموز  ولهذا سمي لا صورياً ، ومحاولة لاستيعاب طبيعتها الخلافية والجدلية. فتأسس هذا المنطق في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي من جملة من فلاسفة كنديين أو ما يمكن تسميته دائرة ويندسور على رأسهم رالف جونسونRalph Johnson  وأنتوني بلير Anthony Blair كمنطق للحجاجArgumentation  وليس منطق للاستنتاج  Inference، وذلك لبيان أوجه المقبولية والمنطقية والمعقولية في بنية المقدمات والنتائج الحجاجية التي تظهر في المواقف الخلافية بغرض الإقناع المنطقي وبافتراض وجود آخر مخالف، وليس دراسة بنية المقدمات والنتائج الاستنتاجية التي تهدف لاستنتاج أخبار صحيحة من مقدمات صحيحة دون افتراض آخر مخالف. حيث يقول جونسون نحن نريد توليد منطق يلبي أشواق الطلاب وعلى قدر توقعاتهم وتمكنهم من امتلاك قدرة على بيان الكلام المقبول والمعقول دون إدراجهم في منطق ذو طابع رياضي رمزي بعيد تمام البعد عن القضايا التي يناقشوها في حياتهم الاجتماعية والسياسية الاقتصادية.

سيبدو أن حديثك عن التصور الأول لكلمة منطق قدم لنا تاريخ المنطق بشكل عام بشقيه الصوري واللاصوري، لكن ماذا عن التصور الثاني والمتعلق بما يتبادر لنا من أن دراسة المنطق تعني دراسة المغالطات المنطقية التي هي العادات الخاطئة التي نمارسها في النقاش؟

ج : هذا المفهوم عن المنطق يتماشى إلى درجة كبيرة مع المنطق اللاصوري، فهذا أحد الجوانب التي اهتمت بها حركة المنطق اللاصوري الحديثة، وهو دراسة المغالطات المنطقية وتمليك الدارس القدرة على رصدها في الحجاج الذي يُمارس في الحوارات العامة، فهو أحد أهم مباحث المنطق اللاصوري ولكنها لا تعبر عن كل مجال دراسته، فالمنطق اللاصوري يهتم بتمليكنا أدوات كثيرة متعلقة بتحليل الحجاج وتقييمه بأكثر من بيان المغالطات المنطقية. لكن، للأسف، ساد فهم أن جل مجال المنطق اللاصوري هو دراسة المغالطات المنطقية، وهذا اختزال كبير جداً للدور الذي يريد هذا المنطق أن يلعبه فيما يتعلق بالحجاج؛ دور كان أحد أهم أهداف كتاب التفكير النقدي؛ مدخل في طبيعة المحاجة وأنواعها، أبرزه للقارئ العربي. فالمنطق اللاصوري نشأ ليملكنا أساسا أدوات تعيننا على التفكير نقدياً في مواقفنا الخاصة ومواقف الآخرين وأراءهم. ومفهوم النقد هنا يعني امتلاك أدوات تمكننا من  تمييز ما هو حجاجي وما هو ليس بحجاجي أولا، وتحليل الحجاج من حيث عناصره ولغته وسياقه ثانيا، وأخيرا تمليكنا المقدرة على تقييمه؛ جزء من هذه القدرة على التقييم هو القدرة على رصد المغالطات المنطقية. فكلمة النقد هنا لا تُفيد الانتقاد اظهار العيوب أو المثالب وإنما تفيد مجمل القدرة على تحليل وتقييم الادعاءات أو الحجاج.

س : فماذا عن التصور الثالث، وهو تصور المنطق على أنه هو ذلك العلم المعقد الذي يدرَّس في الجامعات يمكن الانسان من التفكير بطريقة صحيحة ويجنبه من الوقوع في الخطأ؟

ج : كما قلنا في أول حديثنا أن المنطق الصوري هو مبحث فيه درجة عالية من التعقيد ويشبه الرياضيات في طبيعته إلى حد كبير، وهو في نسخته الرياضية الحديثة والتي تدرس في المقررات الجامعية بات مرتبطاً جداً بعلوم الحاسوب وتقنية المعلومات. وهذا التصور بهذه الطريقة، وبالذات عندما نقول منهج يمكن الإنسان من التفكير بطريقة (صحيحة) و(يعصم) الذهن من الوقوع في الخطأ، قريب لبعض ما شاع عن المنطق الصوري وإن كان هو تصور مشكل بدرجة من الدرجات. فهذا التصور قد يكون سليماً باعتبار أن المنطق الصوري يمكننا من التعرف بطريقة على (صور) الاستدلالات الاستنتاجية الصحيحة التي تستطيع أن تنتج نتائجها بصورة صحيحة إذا صحت مقدماتها. ففي هذا الشأن المنطق الصوري مثلا ملك المبرمجين أدوات غاية في الدقة والصرامة الرياضية بحيث يندر جداً أن تقع الاستدلالات الاستنتاجية في البرمجيات الرقمية في الخطأ.

لكن، وكما سبق أن قلنا، أذهاننا كبشر لا تتعامل مع الأفكار والآراء والمعتقدات بهذه الصرامة الرياضية كما هو الحال في الحواسب الآلية التي تشتغل بالمنطق الرياضي، فالغالب الأعم من البنيات الحجاجية المكونة من مقدمات ونتائج والتي نكون بها القناعات ونتفاعل بها مع المعلومات ونحدد جرائها الأهداف ونتخذ بناء عليها القرارات ونتبادلها مع الآخرين في محل الخلاف، هي بنيات يصعب التعامل معها صوريا أو رمزيا، وبالتالي، يصعب صياغتها في (صور) استنتاجية (لا تقبل الخطأ). ففي طبيعة الحجاج بين البشر لا توجد أدوات صارمة ترشدنا إلى أن رأي عدنان هو الصحيح ورأي عمرو هو الخطأ.
لكن المنطق اللاصوري، في هذا المضمار، يحاول تمليكنا أدوات منهجية نستطيع أن نقول بها، في موقف بعينه مثلا، أن رأي عدنان أفضل من رأي عمرو بنآءاً على عمليات تحليلية وتقييمية محددة وفي سياق محدد. وفي الحقيقة يصعب جدا أن يُتوفر على مبحث منطقي يعصم أذهاننا من الوقوع في الخطأ، ولكن حسبنا أن نقول أن هناك منهج يسمى المنطق اللاصوري يملكنا أدوات منهجية ربما تفادينا الوقوع في بعض الأخطاء الشائعة فيما يتعلق بالاستدلالات الحجاجية كما وتمكننا من التعرف على أوجه القصور في الادعاءات.


س : إذاً من إجابتك يتضح أن المنطق مجال متسع، فما هو موضوع كتابك من بين ذلك؟

ج : الكتاب جاء ضمن سلسلة أدوات إعداد قادة النهضة للدكتور جاسم سلطان، وهي سلسلة تهدف للإسهام في تمليك الشباب في المنطقة العربية والإسلامية مداخل معرفية يعتبرها المشروع أساسية للتحسين من اتخاذ القرارات تجاه واقع هذه المجتمعات. فالسلسلة تهدف لتمليك الشباب الناطق بالعربية مداخل أولية للعلوم الاجتماعية والإنسانية كالاقتصاد والسياسية والجيوبوليتك والتفكير الاستراتيجي والإدارة والتاريخ والفلسفة والمنطق ومناهج العلوم وغيرها. وهي معارف، في نظر صاحب مشروع النهضة، يضر الجهل بها حينما يتعلق الأمر بصناعة واتخاذ وتنفيذ القرارات الهادفة لتغيير الواقع. والمشروع يقدم هذه المعارف في شكل دورة تدريبية من أربع حزم وفي شكل كتب مدخلية ميسرة لهذه المعارف صدر منها اثني عشر كتاب ويتوقع اكتمالها لتبلغ ما يفوق العشرين كتاب. كتاب: التفكير النقدي؛ مدخل في طبيعة المحاجة وأنواعها، جاء باعتباره الكتاب الثاني عشر ضمن هذه السلسلة وهو مهتم أساسا بتمليك طالب النهضة في البلاد الناطقة بالعربية أداة معرفية أولية نقدر أنه يضر الجهل بها فيما يتعلق بالمنطق. ولما كان الغرض أساسا هو إكساب الشباب في المنطقة أداة تمكنهم من التعامل بمنهجية مع الحجاج العام في الفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية المفتوحة والمتعددة في الصحف والمجلات والتغريدات وعلى الفيسبوك والقنوات الفضائية، كان هذا الكتاب مدخلا للمنطق اللاصوري باعتباره المبحث الذي جند نفسه لإكساب دارسه هذه الأداة فهو صرخة جاءت للمناداة بمنطق عملي يستهدف صنوف الحجاج الذي يحيط بنا في اليوم والليلة

من هنا كان محور الكتاب مفهوم يسمى (المحاجة) وهي بمعنى بسيط جداً: قطعة تتكون من (مقدمات) و(نتيجة) دائماً ما نتناولها في الكلام بغرض الإقناع بموقف ما أو التبرير المنطقي له. بمعنى، إذا كنت أريد إقناعك، مثلا، بأنه من الممكن حدوث نهضة في المجتمعات العربية أو أن داعش صناعة استخباراتية أو أن النقاب ليس واجباً، فهنا، عندما أريد أن أدعم موقفي هذا في محل خلاف، فسوف أتقدم بمجموعة من الأسباب المنطقية الداعمة لهذا الموقف في شكل (مقدمات) أرى أنها مقبولة وأنها تدلل على (النتيجة). وهكذا، سنلحظ أن المحاجة قطعة لغوية متوفرة بكثرة في حواراتنا اليومية وهي فاعلة جدا في تفاعلنا مع المعلومات رفضا وقبولا وتكويننا للقناعات وصناعتنا للأهداف واتخاذنا للقرارات ومحاولاتنا لإقناع الأخرين ومحاولاتهم لإقناعنا. فهي قطعة محورية جدا في تكويننا الفكري وفي دور أفعالنا الفكرية تجاه كل ما نسمع ونقرأ وبالذات حين تتناول موضوعات محل خلاف. والمنطق اللاصوري، وبالتالي الكتاب بوصفه تقديما له، بشكل عام، يهتم بثلاث أو أربع أمور فقط وهي تزويد دارسه أدوات منهجية متعلقة أولا بـ تمييز المحاجة كقطعة من الكلام  وبيان اختلافها من سائر القطع الأخرى كالسرد والتوصيف والتفسير وغيرها. وثانيا الأدوات المتعلقة بـ تحليل المحاجة وذلك باستجلاء وتصنيف عناصرها من المقدمات والنتائج وتصنيف طبيعة الادعاءات المقدمات منها والنتائج من حيث هي آراء أو وقائع من جهة وما إذا كانت وصفية أم معيارية أم مفاهيمية من جهة أخرى، ومن ثم يشمل التحليل تصنيف بينة المحاجة، وذلك لأن بنيات المحاجات تأخذ أشكال متنوعة، وكذلك يشمل التحليل تصنيف المنهجية الاستدلالية للمحاجات، فبعض المحاجات استنباطية وبعضها استقرائية وبعضها تمثيلية وبعضها إفضائية، وأيضا أحد أهم مباحث التحليل هو تحليل المشاكل المتعلقة باستخدام اللغة في الحجاج كالعاطفة وعدم الوضوح. ثالثا، يهتم الكتاب كمدخل للمنطق اللاصوري بتزويد الدارس أدوات متعلقة بمبحث تقييم المحاجة، وذلك من خلال التقديم لمباحث التقييم الثلاثة وهي: المقبولية والدلالة والكفاية، والتقديم كذلك للمفاهيم والمغالطات المنطقية المتعلقة بكل مبحث. وأخيرا يهتم الكتاب باستصحاب كل المفاهيم المتعلقة بالتمييز والتحليل والتقييم في تركيب المحاجة، وذلك عندما نريد تقديم محاجتنا الخاصة لتدعيم مواقفنا في محل خلاف. فبشكل عام هذا هو موضوع الكتاب وهمه الأساس هو تمليك الدارس ما نعتقد أنه يضر الجهل به في التعامل مع الحجاج.


س : إذاً، بعد فراغنا من موضوع الكتاب من بين فروع المنطق، وقبل الخوض في موضوعاته بالتفصيل، حدثنا قليلاً عن كواليس تأليفه ورحلتك معه؟

ج : لما حضر الدكتور جاسم سلطان لتدريبنا أنا ومجموعة من الشباب في السودان في العام 2010 م، أعجب ببعض الكتابات التي كنت قد كتبتها في الفكر الإسلامي ودربتها في دورة مدتها 14 ساعة تدريبية وعنوانها: (لماذا خلقنا الله؟ تكليف الإنسان بين الخلافة، العبادة، الإحسان، القسط والشهادة على الناس) وهي دورة تتحدث عن هذ الكليات الخمس ككليات أرى أنها تشكل تكليف الإنسان في المنظور الإسلامي بناء على تفسيري الخاص  لبعض الآيات القرآنية. المهم، أعجب دكتور جاسم سلطان بمحتوى المادة وقرر أن يمنحني الفرصة للتوسع فيه أكثر بشكل خاص وللتوسع في التأليف والكتابة في الفكر الإسلامي بشكل عام. وعندما ذهبت إلى قطر وفي اليوم الذي التقيت فيه الدكتور جاسم سلطان بدأت الأمور تأخذ منحا آخر.  فبمجرد ما إن التقيته وسألته عن سير الكتب التي يقوم بتأليفها، قال لي: إنني أشتغل هذه الأيام على كتاب المنطق وأتمنى أجد فيه معين. وكانت أمامه ثلاثة كتب ناولني إيّاها وقال لي إبدا معي في صياغة مادة أولية من هذه الكتب تكون مسودة للكتاب. وفي الحقيقة منذ أن غادرت الخرطوم وأنا كنت كلي أمل أن يضع الدكتور على كاهلي مهمة بحثية ثقيلة تفتحني  على عالم البحث والكتابة، ولكن رغم ذلك لم أكن سعيدا بهذه المهمة، وذلك لسببيَن:

الأول: أنه من ضمن عديد المباحث التي يقدمها الدكتور في تدريب مشروع النهضة كان (المنطق) في تلك اللحظة أقلها سؤالاً بالنسبة إلي، وذلك بالرغم من إدراكي لفائدته، حيث كنت أتمنى أن تكون المهمة لها علاقة بالفكر الإسلامي أو الفلسفة أو حتى المباحث المتعلقة بالاقتصاد والسياسة في المشروع.
والسبب الثاني:  متعلق بالكتاب الذي كان يرشدنا الدكتور للاستزادة منه في المنطق، وهو كتاب مكتوب بالعربية ويعتبر مدخلا للمنطق الصوري القديم. فأذكر أنه ما إن قرأته وزملائي في المشروع في السودان، كنا نسأل:  ماهو الأثر المباشر لدراسة هذا الكتاب في تدعيم أدواتنا المنهجية للتعامل بصورة منطقية مع الحجاج الذي كنا نناقشه في تلك الفترة مع كافة الشباب في السودان والمنطقة العربية؟ حيث تجد نفسك أخذت مجموعة من المفاهيم المفيدة كمفاهيم لكن بدون دراية عن كيفية التطبيق! بدون قدرة على تصور منهج عملي لتحليل وتقييم المواقف المختلفة التي تطرح في القضايا الفكرية الساخنة التي كنا نناقشها تلك الأيام.

فعندما أعطاني دكتور جاسم الكتاب كمرجع أساسي ضمن ثلاثة كتب، أصبت بالإحباط نفسه مرة أخرى وذلك لأني أشعر بقوة بأن هناك شيء ما ليس موجوداً، فبدأت البحث عنه. وأذكر أني صارحت الدكتور بالقصور العملي لهذا الكتاب وأنه لا يملِّك الإنسان الأداة المطلوبة، وافقني جداً، وقال لي: لماذا لا تبدأ البحث تحت عنوان المنطق اللاصوري أو التفكير النقدي؟ ومن هنا بدأت الرحلة!

أذكر أنه بعد ذلك وقع في يدي كتاب محوري جداً اسمه :دراسة عملية للمحاجة A Practical Study of Argument)  لمؤلفته: Trudy Govier. أذكر أني أول ما بدأت أقلب في هذا الكتاب تملكني شعور وجدتها! وهنا كشاب استطعت الاحساس بشعور الشباب المهتمين بالفكر عموماً والبحث الأكاديمي عندما يقع بين أيديهم كتاب بهذا المستوى واستطعت أن أتخيل إلى أي حد سيكون الكتاب مفيدا لتناول هذا المنهج في التقديم لأدواته، لأن هذا الكتاب كان يتناول أمثلة حيّة لمحاجات واستدلالات من الواقع المعيش وليست مصنوعة كما هو الحال في غالب كتب المنطق الصوري، كمثالنا السابق عن (إذا كان عدنان في أم درمان فهو في السودان، عدنان في أمدرمان؛ إذاً، عدنان في السودان). بل على العكس تماما، تتناول الكتب التي تأتي بعنواني المنطق اللاصوري أو المحاجة أو التفكير النقدي أمثلة عملية جدا وواقعية فهي تعتمد أمثلة من مقالات في الصحف أو جزء من كتاب وحتى من الحوارات المقامة في التلفاز والتصريحات الإعلامية للسياسيين ورجال المجتمع. فوجدت هذا الكتاب وغيره من الكتب ذات طابع غاية في العملية  وموضوعات متعددة في التنوع والتخصص. فكنت سعيد جداً بذلك، وبعدها بدأت عملية التأليف استنادا على الكتب التي لها هذا النوع من العناوين.

تخللت فترة التأليف فترات من القراءة لمباحث فلسفية أكثر تعمقا من المنطق اللاصوري. كان ذلك يحدث بشكل أساسي كنتيجة لما لدي من اهتمام عالي جداً بترجمة المصطلحات بطريقة دقيقة، حيث كانت بعض المصطلحات الفلسفية المحورية تذكر بشكل عام من غير أن يتم تفصيل الجدل الفلسفي حولها في كتب المنطق اللاصوري. وذلك لأنه يتم تفصيلها بشكل أكبر في مباحث الفلسفة المختلفة كفلسفة المعرفة وفلسفة القيم وفلسفة الميتافيزيقا وفلسفة اللغة وفلسفة العلوم

كما أنه حدثت لي نقلة كبيرة جداً في سرعة ودقة ووضوح التأليف عندما قررت تقديم المادة – مادة كتاب دراسة عملية للمحاجة لـ ترودي قوفيير في شكل تدريبي لأقرب الأصدقاء من حولي.

كذلك كان هناك أحد أكبر همومي هو استخدام أمثلة ذات صلة بالواقع العربي والإسلامي. فهذا استغرق مني وقتا طويلا بحثا عن الأمثلة المناسبة. لكن الزمن الأطول جاء في أن محاولة تحليل الأمثلة الحية تصدمك أحيانا بقصور ما لديك من معرفة، فتبدأ في القراءة بصورة أعمق وتوليد مواقف جديدة تجاه منهجيات التحليل نفسها ما أدخلني في قراءة  أكثر تخصصا وذلك لموضوعات مجلة المنطق اللاصوري الصادرة برعاية جامعة ويندسور الكندية والتي يناقش فيها أبرز المتخصصين في المنطق اللاصوري في العالم من خلال ورقات علمية أدوات المنهج نفسها، وهناك تبرز الاختلافات بين المنظرين تجاه بعض الأدوات التحليلية، وهو ما لا يفصل فيه على مستوى المراجع. فالقراءة على هذا المستوى أخذت مني وقتا طويلا، ولكنها خلقت لي رابطا قويا مع هذا الفرع من الفلسفة على وجه الخصوص ومع الفروع الفلسفية المختلفة ذات الصلة بشكل عام، حتى أنني في نصف المسافة اكتشفت نفسي في الفلسفة وعزمت في أثناء رحلة التأليف أن أتخصص فيها على مستوى الدراسات العليا أكثر.  

وهكذا رغم أني بدأت تأليف الكتاب في يونيو من العام 2011م  إلا أني انتهيت منه في يناير 2015 م وتم إصداره في سبتمبر من العام 2015 م. ما صدر منه هو فصلين فقط، أملا في أن تصدر باقي الفصول الأخرى خلال الفترة القادمة وهي موجودة بأكملها كمسودة لكنها لا تزال تحتاج لمزيد من التجويد.


س : الآن لنبدأ الحديث بالتفصيل عن موضوعات الكتاب، حدثنا عن خُطة الكتاب الكلية، وماهي الموضوعات التي يتناولها؟

ج : أنا معجب جداً بكتاب ترودي قوفير  Trudy Govier وأنصح به كل قارئ  هو مكتوب باللغة الإنجليزية وغير مترجم للأسف. فهو برأيي كتاب مرجعي متميز جداً من حيث بنيته ومحتواه، وإن كان من حيث المحتوى قد تتميز عليه كتب أخرى في بعض الموضوعات. كما أن مؤلفته من أهم الأشخاص التي لعبت دوراً محوريا في تأسيس المنطق اللاصوري وتوليد النظريات المنهجية المتعلقة به والمغايرة للمنطق الصوري. وفي مجلة المنطق اللاصوري مكتوب عدد كامل عن فضلها وأدوارها التأسيسية وعطائها المفاهيمي. فأنا تبعت الكتاب من حيث البنية وإن كنت نوعت في الموضوعات من كتب ومقالات وورقات علمية مختلفة. وأنا على تواصل مع المؤلفة وأسألها بين الفينة والأخرى عن بعض المفاهيم المتعلقة بالمجال والتي تشكل عليّ.

الفصل الأول من الكتاب الصادر يعرف القارئ بالمحاجة كقطعة محورية في الاقناع وفي تبرير القناعات وفي اتخاذ القرارات وفي التفاعل مع كافة أشكال المعلومات، وأول هدف هو أن ننحتها في الذهن بوضوح حتى يستطيع العقل التقاطها أنَّا وجدها. ويتولى هذا الفصل تمييز المحاجة عن ما عداها من الكلام وما عداهما من الاحتكام ،كما أنه يقدم للقيم الأساسية للتفكير النقدي. أما الفصل الثاني من الكتاب الصادر فهو يقدم أدوات متعلقة بتحليل بنية المحاجة. ويقصد بذلك بيان المقدمات والنتائج بوضوح ومن ثم كشف الطريقة التي اتخذتها المقدمات للتدليل على النتيجة وما إن كانت هناك ادعاءات غير منصوصة، بحيث يتم تحويل المحاجة من هيئة القطعة الكلامية إلى هيئة معيارية تتكون من سطور مرقمة من الادعاءات يتضح بها العدد الكلي للادعاءات في المحاجة، المنصوص منها وغير المنصوص أو المفترض، والتتابع المنطقي الذي انتهجته. وعليه فإن، الكتاب الصادر يتكون فقط من هذين الفصلين. أما فيما يتعلق بالفصول الأخرى التي لم تصدر بعد فهي موجودة كمسودة أولية في انتظار تجويد بعض مواضيعها وترجمة بعض المصطلحات المحورية فيها.

لكني أرى، وكثير من المتابعين يرون، بكفاية هذين الفصلين لفتح الباب أمام القارئ العربي على هذا المجال وإرشاده إلى أهمية مباحثه، ففيهما باعتقادي حد أدنى كافٍ لتعريف القارئ العربي بأنه يوجد علم اسمه المنطق اللاصوري فيه ما ينشده المرء فيما يتعلق بالتعامل المنهجي مع الحجاج. وأنا أرى أن من يقرأ هذا الكتاب يكون قد تملك إلى حد كبير ما يكفي من المقدمات لينطلق، فالمراجع موجودة فيه والمجتهد قد يتحصل على أكثر مما تحصل عليه الكاتب بالرجوع إليها. فهذه أهم رسالة يريد مشروع النهضة أن يبعثها لقارئيه في ما يتعلق بأدواته المدخلية في العلوم الاجتماعية والإنسانية.
بالنسبة إلى فصول الكتاب القادمة فهي ستتحدث عن أشياء تفصيلية، حيث سيتناول الفصل الثالث تحليل اللغة الحجاجية ورصد المشكلات المتعلقة باستخدام العاطفة وعدم الوضوح. أما الفصل الرابع فسيكون عن تقييم المحاجة وسيتناول مبادئ ومفاهيم عامة في تقييم الحجاج وسيقدم لأهم المغالطات المنطقية المتعلقة بمباحث تقييم الحجاج وهي المقبولية والدلالة والكفاية. أما الفصول المتقدمة بالكتاب فستتناول بالتفصيل تحليلاً وتقييماً المناهج الاستدلالية المختلفة للمحاجات، حيث ستُتناوَل المحاجة الاستنباطية Deductive Argument والمحاجة الاستقرائية Inductive Argument والمحاجة بالمثال Argument From Analogy والمحاجة الإفضائية Conductive Argument كل في فصل على حدة. وأخيرا سيكون هناك فصل عن الكتابة التحليلية والمقالات الحجاجية.

س : يبدو أنك لستَ مشغولاً فقط بالتأليف بل كذلك تقدِّم دورة تدريبية في موضوع الكتاب، حدثنا عن ذلك! فمن المرات القليلة التي أسمع فيها عن كاتب يقدم دورة تدريبية في موضوع كتابه، فالشائع أن الكُتَّاب يقدمون محاضرات عن كتبتهم أو ندوات أو يشاركون في نقاشات حولها، فلماذا دورة تدريبية؟

ج : كما قلت لك، أن نقلة كبيرة جداً حدثت لي في سرعة ودقة ووضوح التأليف عندما قررت تقديم المادة  مادة كتاب دراسة عملية للمحاجة لـ ترودي قوفيير في شكل تدريبي لأقرب الأصدقاء من حولي. ومنذ تلك الحين بدأت أدرب مادة كتابي متبعا البنية العامة لكتاب ترودي قوفيير وجامعا للمعلومات من مراجع أخرى. واليوم بفضل الله أنا أقوم بتقديم مادة تدريبية في موضوع الكتاب؛ كورس تدريبي تمهيدي في 25 ساعة، وكورس تدريبي متقدم في 75 ساعة. وأنا أقصد هنا بالتدريب أو التدريس محاولة إفهام جملة الموضوعات التي يتناولها الكتاب بطريقة تفصيلية للمتلقي.

وفي الحقيقية هذه التجربة كانت مميزة جدا وأنا أنصح بها كل شخص يرغب في التخصص في مبحث معين أو التأليف فيه. فمثلا، إن كنتَ مهتما بالاقتصاد من الأفضل أن تبدأ في تقديم المادة الموجودة في أحد أبرز الكتب المدخلية في هذا المجال في شكل كورس تفصيلي لأقرب الناس حولك. فأنت هنا في هذه المرحلة لا تتدعي أنك خبير في الاقتصاد، لكن بكل بساطة أنت ناقل أمين للمعلومات الموجودة في أحد أبرز مراجعه. عند مرحلة التجهيز لهكذا كورس ستلحظ أن تركيب الأفكار بدأ ينتظم جدا في ذهنك، كما أنك ستجد أن استيعابك لكثير من موضوعات الكتاب اختلف بالكلية، أو تعمق بصورة أكبر. وذلك لأن قراءة كتاب والخروج منه بمفاهيم مسألة سهلة جدا لكن استيعاب مفاهيمه بغرض إيصالها في شكل تدريب للناس مسألة أعقد، وذلك لأنها تخلق حوار كبير جدا بينك وبين موضوعات الكتاب، وأهم من ذلك، هي سوف تربطك أكثر بمراجع الكتاب الذي تقرأه، ففي أكثر من مرة ستجد نفسك مضطرا للاستزادة في موضوع معين من المراجع الأكبر التي استند عليها الكتاب المرجعي الذي بين يديك. وعند مباشرة التدريب فإن موضوعات الكتاب ستترسخ أكثر في ذهنك، كما أن أسئلة المتدربين ستتحداك لقراءة الكتاب في مبحث السؤال مرة أخرى، أو حتى الاستزادة من مراجع أخرى غير مراجعه، وعليه في المرة القادمة ستستصحب الإجابة التي تحصلت عليها في تدريبك منذ البداية، وهو ما يعمد على تدعيم المادة وترتيبها والزيادة عليها بشكل أفضل في كل مرة. فالتدريب أو التدريس، بهذا المفهوم، يساعد بشكل كبير في نقلنا من مرحلة الهواة إلى مرحلة أكثر تخصصية فيما نحب أن نتخصص فيه.

أما على مستوى التأليف، فاعتقد أن التدريب ساعد في عدة أمور: فهو مفيد جدا في صناعة بنية لما نريد التأليف فيه. ومن تجربتي الصغيرة جدا مع الكتابة، أنا أرى أن أصعب ما في التأليف هو التوفُر على بنية عامة لطبيعة المُؤلَّف الذي نحن بصدد إخراجه أي: من كم فصل يتكون؟ ما هي أقسام الفصول؟ ما هي موضوعات الأقسام؟ فالتدريب، وبالذات باستخدام البوربوينت PowerPoint، هو من أكثر ما يساعدنا على صناعة هذه البنية بطريقة مرتبة، وذلك لأنه يساعدنا على اختبار نجاعتها في إفهام الناس، وبالتالي إعادة ترتيبها بشكل مستمر حتى نضمن جودتها. كما أن التفاعل الحي مع الناس في التدريب هو وسيلة فعالة جدا في تحسين المادة المكتوبة، حيث أذكر أني كنت بعد كل دورة أقدمها، بدون مبالغة، أعيد تقديم بعض مواضيع الكتاب، أو أقوم بتعديل فكرة في مسودة الكتاب، أو أعيد اختيار بعض الأمثلة المستخدمة، وذلك كنتيجة لنقاش جرى أثناء أو بعد التدريب، وهذا كان أحد أهم أسباب تأخر صدور الكتاب.

وأخيرا، التدريب يصنع علاقة حقيقية من المراجع ويحفز بدرجة عالية على الاستزادة والتوسع في الموضوع الذي نريد التأليف فيه. فأنا أذكر أن قراءتي في مباحث الفلسفة كانت تتولد من أسئلة تراودني أثناء وبعد تدريبي لشيء ما أشعر أن فيه نقص في فهمي له، أو أن هناك إشكال في تأسيسه بطريقة منطقية.

فبشكل عام أحب التأكيد على أن تدريب أو تدريس محتوى المواد التي نريد تأليفها أسرع وأنجع الأدوات في تتميم النواقص في المواد المكتوبة، وفي تسهيل عرضها للقارئ بما يجعله أكثر استيعاباً لها، وفي تعميق المفاهيم في أذهاننا، مما ينعكس سهولة ودقة ووضوح بالنسبة للقارئ. وأهم من ذلك فإن التدريب يكسبنا فاعلية اجتماعية أكبر وذلك بتجسير المعرفة المدخلية للراغبين والمهتمين ممن هم حولنا.

س : تأليفك في موضوع التفكير النقدي هو اقتحام مُبادِر جريئ خصوصاً أن الكتابات العربية فيه تكاد تكون معدومة، وهنا يظهر موضوع الترجمة كأحد التحديات للتحضير المعرفي والتأليف على حدٍ سوآء، وظهر ذلك من خلال اعتمادك بشكل شبه كامل على مراجع إنجليزية، وكذلك عدد المصطلحات التي قمت بترجمتها في الكتاب وهي ترجمة أصيلة منك، حدثنا قليلاً عن تجربتك في الترجمة؟

ج : من أكبر الصعوبات التي واجهتني في التأليف هي الترجمة، وذلك لأنه لا توجد كتب كثيرة في مجال المنطق اللاصوري؛ هناك كتب مترجمة لكن لا أخفيك أنا أرى أن فيها مشاكل ليست يسيرة فيما يتعلق بالترجمة، ابتداءًا من ترجمة كلمة Argument بالمناقشة أو الحجة، والتي اخترت لها مصطلح (المحاجة). ولك أن تتخيل الصعوبة في أن تبدأ في كتابة كتاب أنت مواجه بسؤال الترجمة فيه ابتداء من أول مصطلح فيه: (المحاجة)! فمن الصعب جداً أن تفهم مصطلح بلغة ما ابتداءًا ثم تنحت له مصطلح مقابل في لغة أخرى لتؤلِّف في الموضوع بناء على اصطلاحك، وبالذات حين يكون المفهوم الذي يعبر عنه هذا المصطلح مفهوم جديد بالنسبة إليك. فهذه العملية مضنية لأنها تتطلب قراء كثيرة حول المصطلح بمعناه الاصطلاحي في المجال وحتى أحيانا بمعناه المعجمي. أذكر مثلا أن مفهوم الــ Argument، وليس مصطلحه، كمفهوم يعبر عن قطعة كلامية تتكون من مقدمات ونتيجة وتقدم بغرض التدليل على ادعاء محل خلاف، كان من المفاهيم الجديدة علي تماما! ولو نظرت، ستجد أنه في الدارجة السودانية مثلا، ليس لدينا مصطلح يعبر عن هذا المفهوم مكتملا! فقد أسألك مثلا لو قدمت لي ادعاء محل خلاف بقولي:  منطقك شنو؟ إنت بنيت كلامك دا على شنو؟ دليلك على الكلام دا شنو؟ وإلّا فليس لدينا مصطلح منحوت في ثقافتنا يعبر بتمام عن هذه القطعة الكلامية المكونة من مقدمات ونتيجة. وهذا يبدو لأن مفهومها لم يتشكل في أذهاننا بعد. وهذا  في الحقيقة هو أحد أهم أهداف المنطق اللاصوري وهي تشكيل مفاهيم نقدية بحيث يصبح لدينا قوالب نقدية ومصطلحات نقدية تفعِّل من عمليات تمييزنا وتحليلنا وتقييمنا للحجاج (أو بالدارجة السودانية الغلاط) الذي نمارسه على مدار الساعة

وكمثال آخر، أذكر أيضا أن هناك نوع من القضايا الشرطية  وهي القضايا التي تأتي على شاكلة إذا كان (أ) فإن (ب) يصطلح على تسميتها في كتب المنطق بــ (Counterfactual)، وهي قضايا تدعي الشرط حال وقوع أحداث مخالفة لما جرى أو يجري في واقع العالم. فمثلا، كأن أقول: لو كان بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما تخلفنا، أو أن أقول: لو أحسن السياسيون إدارة العملية السياسية في سنين اتفاقية نيفاشا لما انفصل الجنوب. ففي ترجمة هذه القضايا، أولا، كان السؤال هو أن ترجمة Facts من الأوفق أن تكون (وقائع) وليس (حقائق) لأن مصطلح Facts، بالمعنى الفلسفي وليس الاستخدام العام، يرشد إلى شيء وقائعي يمكن ملاحظته بالحواس أو الأدوات المعملية أو من خلال مناهج تجريبية متفق عليها، فهو لا يرشد إلى ما جرى في حقيقة الأمر أو ما هو متفق عليه باعتباره حق. ومفردها (واقعة) وليس (حقيقية) كأن أقول مثلا وجود هذا الكتاب أمامي واقعة؛ لأنه أمر حادث ويرى بالعين المجردة. وهكذا مثلا، في موضوع ذي صلة، فإن الترجمة الأفضل لكلمة Truth، بالمعنى المنطقي، هي (الصدق). فإذا قلت لي مثلا: يوجد كتاب أمامك، يكون هذا الخبر (صادق) True لأنه صدّق الواقع أو الوقائع الحادثة، ويكون (كاذب)  False كذلك لأنه كذب الوقائع الجارية. فهذه ترجمة برأيي أوفق من مصطلحي (الصواب) و(الخطأ) والذين قد يفيدا معاني أخلاقية وهما أقرب أن يكونا ترجمة لـمصطلحي Right and Wrong، كقول الله عز وجل في سورة يوسف: (استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) في إشارة إلى تقييم أخلاقي من العزيز لأمرأته، وهذا في مقابل قوله تعالى: (فصدقت وهي من الكاذبين) وقوله كذلك جل وعلا: (فكذبت وهو من الصادقين) في إشارة إلى تقييم صدقية الادعاء بناء على ما جرى في الواقع. المهم، عودا على ترجمة Counterfactuals، واعتمادا على ترجمة Facts، أذكر أنني بعد مداولات مع دكتور محمد جلال هاشم اخترت ترجمة (اللاوقائعيات). هذا المثال يريك الصعوبة في مسألة الترجمة في تطلبها لقراءة حول المصطلح بمعناه المعرفي والخلافات الدقيقة التي ينبغي مراعاتها بين المعنى العام للكلمة والمعنى الاصطلاحي لها في مجال محدد وربط ذلك بالاستخدامات في اللغة العربية.  

كذلك مثلا، أذكر أنني في السنين الأولى كنت استخدم مصطلح (المحاجة(Argument  و(الاستدلال Reasoning) و(الاستنتاجInference ) كمترادفات، وفي نهاية سنتي الرابعة تمكنت من الحصول على كتاب أساسي لرالف جونسون يسمى انطلاقة المنطق اللاصوريThe Rise of Informal Logic  وهو عبارة عن مجموعة مقالات لهذا الفيلسوف الذي يعتبر أحد أبرز مؤسسي هذا العلم. وتفاجأت جدا بأحد الموضوعات الجانبية بعنوان: (الحجاج ليس هو الاستنتاج) وبمقولته تحت ذات العنوان إن: (المنطق الصوري هو منطق الاستنتاج بينما المنطق اللاصوري هو منطق الحجاج). حيث يرى جونسون أن التمييز بين الحجاج والاستنتاج هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها تأسيس المنطق اللاصوري. فعنده الاستنتاج عملية فكرية آحاديةMonolectical   لا تفترض وجود آخر مخالف، بينما الحجاج عملية فكرية جدليةDialectical  تفترض وجود آخر مخالف، وإن كان كل منهما عبارة عن (استدلال) من (مقدمة أو مقدمات) إلى (نتيجة). 

وهكذا مثلا، لاحظ الصعوبة في أن تكتشف أن المصطلحات الموجودة في ذهنك تحتاج أن تعيد فهمها والتمييز بينها وأن تقوم بتعديلها في كل ما كتبت! كان ذلك ولا يزال أصعب ما يواجهني في التأليف ويبطء من سرعته.

س : من إجابتك يظهر أن للترجمة دوراً معرفياً مهماً حدثنا عنه بشيء من التفصيل؟ كما يظهر أننا أمام مُشكل حقيقي في الترجمة في العالم العربي، ما رأيك في حال الترجمة في العالم العربي؟ وبماذا تنصح المترجمين من خلال تجربتك هذه؟ وماذا تقترح على المستوى الفردي والمؤسسي لتطوير عمل الترجمة؟

ج : بناء على تجربتي مع التأليف في المنطق اللاصوري كأحد المباحث الإنسانية التي أنتجها وطورها الغرب بشكل رئيسي؛ أي أنتجت خارج فضاء الثقافة العربية والإسلامية، فإن نصيحتي الأولى والأخيرة لكل شاب يسعى للتغيير عبر تجسير هذه المعارف – أقصد الاجتماعية والإنسانية – واضعا في الاعتبار الظروف المعرفية الحالية للشعوب العربية وضعف منتجاتها المجودة في المعرفة إلا من رحم؛ أن يبدأ فورا في القراءة بالإنكليزية أو اللغة الأصل ذات الصلة لما يريد تجسيره. ولا أظن أن هذا الأمر فيه مزايدة على أي شيء، ومحاولة إدخاله في خانة الاستلاب الحضاري هو تعطيل بالغ الضرر وعميق الأثر لنهضة مجتمعاتنا. عدم التعاطي مع اللغة الإنكليزية، وبالذات في العلوم الاجتماعية والإنسانية فيه حرمان للإنسان من متابعة التطور المعرفي الهائل والحادث كمّاً ونوعا في الجانب الغربي من الكرة الأرضية. وذلك لأنه حتى الآن قدراتنا في الترجمة من حيث الدقة والسرعة لا تستطيع مجاراة السرعة التي تنتج بها المعرفة في الغرب. وعليه، فإن عدم قدرة المتخصص في هذه المجالات على القراءة باللغة الإنكليزية يجعله في حالة من الضآلة المعرفية كما أنه يجعله عرضة للإشكالات العميقة في الترجمة والتي تزيف المصطلحات التي تقوم عليها هذه المباحث. وهي عملية تعطل على النخب مهمة استيعاب هذه المعارف أولا ومن ثم تجاوزها وإعادة انتاجها في فضاء الاجتماع العربي والإسلامي، ثانيا. وباعتقادي أن أكبر سجن موجودين فيه نحن كشباب في السودان تحديداً، هو سجن اللغة العربية لأنها لغة باعتبار معرفِيّة حامليها أصبحت لغة غير معرفية، ليس في أصلها، ولكن لمشكلات متعلقة بالفضاءات الفكرية الضيقة للعقل الذي يحملها

أما فيما يتعلق بالترجمة تحديداً، فأعتقد أنه يتوجب أن يُسعى ابتداءًا لتأسيس المناهج التعليمية بما يجعل الإنسان العربي مجيدا للغته العربية ومجيدا كذلك للقراءة باللغة الإنكليزية أو ما عداها من اللغات المرتبطة بمجتمعات منتجة للمعرفة. ففي الوقت الذي يجب أن ندرك فيه أن نهضة الشعوب يجب أن تتأسس على لغاتها، لابد أن ندرك أن الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو أن تنشأ الأجيال القادمة مجيدة للقراءة باللغات التي تنتج بها معرفة العصر.

ثانيا، ينبغي أن تقوم بالتوازي مع ذلك مراكز ضخمة للترجمة تعمد إلى ترجمة الكتب المرجعية والدوريات العلمية في الغرب بحيث يتعاضد في ذلك المتخصصون وأهل اللغة، وأنا هنا أتحدث عن ضخامة تُجاري إنتاج المعرفة في الغرب، وذلك ريثما نضع أنفسنا ذات يوم في مقدمة هذا السباق الحضاري. هذا التعاضد مهم جدا، وذلك لتفادي المأزق الحضاري الذي نواجهه اليوم بكثرة الكتب المترجمة بلغة مُشكلة وضعيفة في الوقت ذاته؛ لغة تنحت فيها المصطلحات كعلامات. وحتى أدلل على أثر هذه المشكلة أذكر موقف حدث لي في محاضرة قدمتها قريبا تحدثت فيها عن مفهوم الـEmpirical Falsifiability  للفيلسوف النمساوي كارل بوبر. حيث يقول بوبر أن المقولة العلمية هي المقولة الـ Empirically Falsifiable. سرت ترجمة لهذا المفهوم وأراها شائعة هي أن المقولة العلمية هي المقولة (القابلة للنقد). فأذكر، وقف أحد الشباب بعد نهاية المحاضرة وقال لي هذا المفهوم للمقولة العلمية بأنها هي المقولة القابلة للنقد قال به العالم المسلم فلان الفلاني في القرن الخامس الهجري. فتحسرت جدا بالمناسبة، وذلك لأن هذا المأزق الفكري سببته هذه الترجمة. فحين تقول أمر ما قابل للنقد بمعنى التحليل والتقييم فهذا فرق كبير جدا عن فكرة كارل بوبر بتعيينه للمقولة العلمية بقوله أنها القابلة لـ (التكذيب التجريبي). حيث يقول بوبر لكي تكون المقولة علمية فينبغي أن يقترح قائلها وقائع تجريبية تُدرك بالحواس أو بالأدوات المعملية أو من خلال مناهج تجريبية متفق عليها بحيث يعود بإمكاننا أن نكذب هذه المقولة أو النظرية في حالة لم تحدث هذه الوقائع التي تنبأت بها. من هنا مثلا يرى بوبر أن مقولات فرويد في علم النفس ليست مقولات علمية لأنها ليست قابلة للتكذيب تجريبياً، هذا وإن كانت قابلة للنقد بالمعنى العام للكلمة. بينما هو يرى مثلا أن نظرية النسبية لآينشتاين نظرية علمية وذلك لأنها تتنبأ بوقائع يمكن ملاحظتها تجريبيا بحيث يمكن تصديق هذه النظرية في حال تحقق ما تنبأت به من وقائع، أو أن تكذب في حال لم يتحقق ما تنبأت به من الوقائع. ومعلوم أن آينشتاين في إطار نظريته كان قد تنبأ بأحداث كونية يمكن ملاحظتها تجريبيا وقد حدث ذلك فعلا بعد مماته كان آخرها قريبا موجات الجاذبية. فأنظر إلى هذا المفهوم  مفهوم قابلية التكذيب التجريبي للمقولات العلمية كيف هو محوري ويُعد طفرة في فلسفة العلم في القرن العشرين، على ماله من انتقادات، لكن الشاب العربي قد يُحرم منه بسبب هذه الترجمة الضعيفة جدا، والتي تدل على عدم إحاطة مترجمها بظروف وسياقات نشأة هذا المفهوم. والنتيجة هي أن يكون لدينا شاب لا يجد أي إضافة حضارية لهذا المفهوم لأنه يعتقد أن عالما مسلما كان قد قال به قبل قرون خلت، وهو ما أشك فيه جدا وإن كنت لا أجزم به. ولذلك فإن الترجمة لابد أن تحدث عبر مؤسسات رصينة علميا بحيث يضمن أن المصطلح قد تم تداوله بين لغويين ومتخصصين وأن تكون لهذه المؤسسات دور معتمدة بحيث يستطيع الناس تمييزها دون غيرها وبالتالي الوثوق بها.
وأخيرا ينبغي أن نترجم الكتب المرجعية فعلا، لكن الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو أن يحفز الباحثون لإنتاج مقابلاتها من الكتب المرجعية بالعربية بما يتوافق مع طبيعة المنطقة الثقافية. بمعنى، أن يعاد إنتاج مضامين هذه الكتب في حقل المعرفة العربية استصحابا لكل شروطها ففي ذلك إنتاج حقيقي للمعرفة وليس مجرد استيرادها. عملا بهذا الخط، أنا مثلا أرى أن إخراج كتاب في المنطق اللاصوري يستخدم أمثلة من الواقع العربي والإسلامي هو أجدى من ترجمة كتاب ترودي قوفيير وإن استغرق ذلك أضعاف الزمن.


س : عند الحديث عن (الكتاب) بشكل عام وعن كتابك بشكل خاص، لابد وأن تُثار قضية العلاقة بين العمل والفكر، عن أيمها أَولى: العمل أم التنظير. دعني أفتَرِض أن العديد قد طرحوا عليك هذا الموضوع أثناء رحلتك في التأليف وبعد اصدار الكتاب كذلك، فهل لك أن تحدثنا قليلاً عن رأيك في هذه الثنائية؟ عن شكل العلاقة فيها وفي قضية الأولويات هذه؟

ج : في الحقيقة أنا لا أرى أن هناك ثنائية تضاد بين العمل والتنظير! الفاعل الاجتماعي، أيا كان طبيعة فعله، معرفية الطابع أو حركية، لابد أن يكون له وقت للاستزادة من المعرفة المتعلقة بمجال فعله عبر القراءة والتدريب. ولتوضيع أهمية المزاوجة بين العمل والتنظير دعني أقص عليك مسألة مرتبطة بكورس مدته ثلاثة أسابيع كنت قد أخذته قريبا عن موضوع السياسيات العامة وذلك من جامعة ملايا في ماليزيا. كان أجمل ما في هذه الكورس وأفيد ما فيه هو أن المحاضرين دائبون على هذه المزاوجة. فالمحاضرون كانوا يتبوؤون مواقع عالية جدا في الدولة هذا بالإضافة إلى معرفيتهم الواضحة وقدرتهم على تجسير خبراتهم بطريقة منهجية أكاديمية تنم عن خلفية نظرية عالية جدا فيما يحاضرون فيه. وهنا تأتي الإضافة! فكثيرون منا للأسف يخلقون هذا التضاد الذي لا معنى له بين العمل والتنظير. وتكتسب كلمة منظر أو أكاديمي عند العمليين سمة سالبة وكذلك تكتسب كلمة تنفيذي عند الأكاديميين سمة سالبة. من الأفضل باستمرار أن تكون لمعارفنا جدوى عملية، وبالذات، فيما بتعلق بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، يحبذ أن تكون الأنشطة الأكاديمية هدفها التنظير المتوجه للفعل، وهي ما يسمونها: Action Oriented Research. فللأسف، جزء كبير ممن أراه من المهتمين بالتغيير، بالذات على مستوى المجتمع المدني في السودان، الجوانب المعرفية لديهم ضئيلة جداً. فهناك قراءات قد تكون مفيدة جدا في هذا الجانب حتى في أدق التفاصيل العملية كإدارة المنظمات ومعرفة المفاهيم الأساسية للمجتمع المدني، في شأن الحصول على التمويل إدارة  التطوع وما إلى ذلك. هذه أمور لا يمكن أن نسميها (تنظير)، ولكنها تنظيرا عملياPractical Theorizationذو صلة مباشرة بواقع العمل

فالمطلوب أن ندرك أن العمل والتنظير لا يجب أن ينفصلوا عن بعضهم؛ لا يُتوقع أن نجد فاعل اجتماعي بشكل من الأشكال هو ليس معرفيا، أو نجد آخرا غير مهتم بجدوى المعرفة في الواقع العملي. فهذين الأمرين لابد من تزاوجهما لتحريك الواقع، الواقع اذا تحرك من غير مجهود معرفي فهذه مشكلة، وفي نفس الوقت المجهود المعرفي إذا كان لا يريد أن يؤسس لفعل يُحدث تغيير في الواقع فهذه مشكلة كذلك.

وهنا، حين أقول أن الفاعل الاجتماعي لابد أن يكون (معرفيا) أنا لا أعني أن عليه الانكباب على الكتب، ولكن مقاربة المشاكل الواقعية بناء على معلومات واتخاذ القرارات بناء على خبرات تراكمية، وإلا فإن المبادرات المدنية ستكون فطيرة ودائرة في حلقة مفرغة. وحتى تبدو فكرة المعرفية واضحة، فمثلا، لو قررت أن تشتري عربة وفعلت ذلك بناء على كلام أحد الأشخاص في السوق فبلا شك تلك درجة أدنى من أن تبحث عن معلومات موثوقة فيما يتعلق بالعربة من الانترنت ومن الميكانيكيين و أقسام الصيانة التي تتعامل معها. فالموضوع ببساطة هو أن نتملك من الأدوات ما يعيننا على انتقاء معلومات سليمة تكون أساسا تبريريا متينا للقرارات التي نحن بصدد اتخاذها. فالمعرفية هنا لا تعني أن تلبس نظارات وتقرأ وتنظِّر وتألف وتقدم ورقات، وإنما تعني أن تجد تبرير للمواقف والقرارات التي تأخذها لإحداث عملية التغيير في مجتمعك. صحيح هي مسألة مرتبطة أساسا بالقراءة لكن من الممكن أن يحدث ذلك من خلال وسائط معرفية أخرى كالتدريب والنقاش وغيرها من أشكال التطوير المستمر. وفي هذا الصدد لو وددت أن يقوم الفاعلين في المجتمع المدني السوداني في تقديم خبراتهم في شكل دورات تدريبية تعبر عن أهم مكتسباتهم وتوضح في شكل معلوماتي صنوف الحاجة الاجتماعية في المجتمع السوداني والصعوبات التي تواجه العمل المدني فيه. فهكذا دورة مثلا تقع في عمق ما أسميناه التنظير العملي، وبالذات إذا تم تدعيمها بمراجع ومعلومات وخبرات مختلفة في مجتمعات أخرى


س : في ظل الظروف التي تمر بها المجتمعات العربية، تحديات من كل جانب، داخلية وخارجية، وفي كل مجال اقتصادية سياسية اجتماعية دينية ثقافية وغير ذلك، في ظل هذه الظروف في أي السياقات تضع كتابك؟ وما هو الإسهام الذي يقدمه؟

ج : أنا اعتقد أن مجتمعاتنا في حالة أزمة حضارية مرتبطة أساساً بطبيعة تفاعلها مع الواقع والأفكار. ورؤيتي أن المساهمة في إصلاح نظام الأفكار السائد لدينا هو من أهم وأعجل واجبات المرحلة التي نعيشها. وفي هذا فأني أرجو أن يكون هذا الكتاب وما بعده إسهاما في أمرين:
أولا، مساعدة الفاعل الاجتماعي العربي والإسلامي عموما، والسوداني خصوصا، في التحصيل على نظام منهجي يمكنه من تحليل وتقييم المعلومات بصورة أوفق. فالمنطق اللاصوري هو أداة مهمة جدا في هذا الصدد، صحيح أنه لا يدعي أنه سيمكننا من التعرف على القرارات الأنجع أو المعلومات الأصوب أو القناعات الأفضل، ولكنه باعتباره أداة معالجة، فهو له قدرة ممتازة جدا في كشف نقاط الضعف في الأفكار والقناعات والقرارات والمعلومات.

ثانيا، أنا أقدر أنه توجد حالة انفصال حضاري بيننا وبين الغرب، فهو يسبقنا بدرجة كبيرة جداً على مستويات متعددة. هذا التفاوت الظاهر ماديا وإجرائيا بينا وبين الغرب في رأيي هو في الأساس مسافة فكرية بيننا وبين الغرب من المفترض أن نستوعبها لكي نتجاوزها، وهي متعلقة بالمنتوج الفلسفي الذي أنتجه منذ القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين. وعليه، فإن المنطقة العربية اليوم تعاني مما سماه مالك بن نبي أزمة التكديس، وهو أننا مجتمعاتنا مليئة بمنتجات الحداثة الغربية، المادية منها، كالسيارات والطائرات والإلكترونيات، ومنتجاتها الإجرائية، كالدولة الحديثة والنظم الإدارية مثلا. فهذه المنتجات لا تزال تتكدس في أوطاننا دونما قدرة منّا على إنتاجها، وهو ما يصنع قابلية دائمة للاستعمار ويكرس له، وذلك لأننا نعجز عن استثمار مقدراتنا المادية والبشرية كشعوب ابتداء، كما وأننا نعجز عن استيعاب تراث الغرب الفكري الذي أسس لهذه الحداثة المادية والإجرائية. هذا التراث الفكري في تلك القرون موجود في الفلسفة الغربية. وصحيح هناك جانب ليس باليسير من هذه الفلسفة مرتبط بثقافة تلك الشعوب وخصوصيتها الحضارية، لكن جانبا ليس باليسير منها مرتبط بمناقشات محايدة ثقافيا لموضوعات سابقة للثقافة، كبعض الموضوعات الواردة في فلسفة القيم وفلسفة المعرفة وفلسفة الوجود وفلسفة العلم وغيرها. هذه الموضوعات برز الاهتمام بها منذ القرن السابع عشر مع ديكارت، وربما قبل ذلك، ولكنها بلغت ذروتها في القرن العشرين فيما بات يعرف بالفلسفة التحليلية. فهي فلسفة حادة تحلل المفاهيم وتعرضها للمسائلة بدقة ووضوح في اللغة دون الاهتمام بأي تراكيب نظرية كبرى كما هو الحال في نظريات هيغل أو ماركس أو نيتشة أو سارتر أو حتى المدارس الفلسفية الما بعد حداثية كالبنيوية والتفكيكية. فالفلسفة التحليلية تناقش الموضوعات بصرامة منطقية كما أن لغتها الحجاجية تُبدي اهتماما عاليا جدا كما قلنا بالدقة والوضوح في الاصطلاح والتحليل والنقاش. كما أن أطروحتها تتميز بتخصصية الموضوعات وصغر نطاقاتها. فهي أقرب للعلم منها للفلسفة كما يقول برتراند رسل. فأنا، من وجهة نظر شخصية جدا، أرى أن هذا الجانب من الفلسفة الغربية والذي ظل يتراكم عبر هذه القرون واستغلظ في القرن العشرين هو ما يصنع الفارق الفكري بيننا وبين الغرب، وذلك لأنه متعلق بطبيعة التفكير بأكثر من تعلقه بمنتجات فكرية وليدة ثقافة بعينها، لها ما لها، وعليها ما عليها. فالفلسفة التحليلية عصية على التأصيل الثقافي وهي تستقصي بالسؤال مواقف كلية لا يكاد يتصور العقل أن شخص من ثقافة أخرى قد يختار غيرها وذلك لأنها تناقش موضوعات يبدو من طبيعتها أنها سابقة للمنتجات الفكرية ذات الخصوصية الثقافية كالدين مثلا. فأسئلة المعرفة والوجود والقيم باعتقادي تسبق سؤال الدين.

ومن هنا فإن هدفي من الكتاب أن يكون جسرا للغة الفلسفة التحليلية التي تستخدم المصطلحات الحجاجية التي يقدم لها الكتاب كأساس للحجاج الذي يجري حول موضوعتها. وبهذا فأنا أرى أن هذا الكتاب مدخل إلى اللغة التي يستخدمها الفلاسفة التحليليون حين يناقشون موضوعاتهم وإن لم يكن مدخلا إلى موضوعات الفلسفة التحليلية. ولهذا فإنى أرى أنه قد يسهم شيئا ما في ردم الهوة الحضارية بيننا وبين الغرب أملا في أن نستوعبها سريعا لنتجاوزها قريبا

س : مضطرون للأسف أن نصل إلى ختام هذا الحوار الثرّ، ختاماً ماهي الخطوة القادمة لك؟ وكلمة أخيرة؟

ج : خطوتي القادمة إذا مد الله في الآجال أن أحاول إكمال كتاب التفكير النقدي بطريقته الحالية؛ الطريقة الحوارية المبسطة، بأقصى ما أستطيعه من الاتقان. آمل أن يساعدني في ذلك الدراسة التي سأبدأها في سبتمبر القادم في جامعة سينت آندروز البريطانية. بعد هذه الخطوة سأسعى إلى كتابة كتاب مرجعي في ذات المجال. هذا ما أراه في الأفق، وما أتمنى أن يوفقني الله فيه.
وأخيرا أتمنى أن يوفق الله بلادنا لما فيه خيرها، وأتمنى أن تعمُر بلادنا بمتخصصين في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية مما يساعدنا على إيجاد حلول معرفية للمشكلات التي تواجهنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق